أحمد بن علي القلقشندي
5
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
من ألف ، وباء ، وجيم ، ودال ، متباينات الصّور ، مختلفات الجهات ، لقاحها التفكير ، ونتاجها التأليف ؛ تخرس منفردة ، وتنطق مزدوجة ، بلا أصوات مسموعة ، ولا ألسن مزوّرة ، ولا حركات ظاهرة ؛ ما خلا قلما جوّف باريه بطنه ليعلق المداد به ، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر منه إليه ، وشقّ رأسه ليحتبس الاستمداد عليه ؛ وأربع ( 1 ) من شفتيه ، ليجمعا حواشي تصويره إليه ، فهناك اشتدّ القلم برشفه ، وقذف المادّة إلى صدره ، ثم مجّها من شقّه بمقدار ما احتملت شفتاه بتخطيط أجزاء النقط التي أراد بها الخطوط ، فالأبصار لها سامية ، فإذا حكتها الألسن فالآذان لها واعية ، وأولى أسمائها بها حينئذ الكلام الذي سدّاه ( 2 ) العقل ، وألحمه ( 3 ) اللسان ، وقطعته الأسنان ، ولفظته الشّفتان ، وصدّاه الجوّ وجرّعته الأسماع على أنحاء شتّى ، وسمّيت بها الأشياء لتعريف متناكرها ، وتمييز متشابهها ، وتبيين معلومها من مجهولها . فمن ذلك فضل الكتاب الصّناعات . وبالجملة فليس يذكر ذاكر شيئا يجري به الخاطر ، أو يميل إليه العقل ، أو يلقيه الفهم ، أو يقع عليه الوهم ، أو تدركه الحواسّ ، إلا والكتاب والكلام موكَّلان به ، مدبّران له ، معبّران عنه . فلما أن تضمّنت الحروف الدلالة ، وقامت الألفاظ بالعبارة ، نطقت الأفواه بكل لغة ، وتصرّف المنطق بكل جهة ، فلم تكتف منه أمّة بأمة ، ولم تستغن عنه ملَّة دون ملَّة ، فعرّب ذلك بلغة العرب التي هي القاهرة لجميع اللَّغات ، المنظَّمة لجميع المعاني في وجيز الصّفات . ولو لم يكن من شرف الخط إلا أن اللَّه تعالى أنزله على آدم أو هود عليهما السلام كما تقدّم ذكره ، وأنزل الصّحف على الأنبياء مسطورة ، وأنزل الألواح على موسى عليه السلام مكتوبة ، لكان فيه كفاية .
--> ( 1 ) أي جعلها قويّة مستقيمة . ( اللسان 8 / 100 - 107 ) . ( 2 ) سدّاه العقل أي أصلحه ( المعجم الوسيط 424 ) . ( 3 ) ألحمه اللسان أي لأمه وأحكمه ( المعجم الوسيط 819 ) .